" في ذكرى استشهاد الإمام البنا ..مواقف ودروس " بقلم : السيد النزيلي
AM 07:39 2010-02-08
استطاع الإمام البنا عبر سعيه الحثيث وعمله الدءوب وجهده المتواصل أن يؤسس لعمل إسلامى .. بدت بصماته وبانت تأثيراته على كل فعاليات التيار الإسلامى منذ عام 1928 وحتى الآن .. بحيث يصعب نكرانه أو تجاوزه – رحمه الله – حتى من قبل أولئك الذين يقفون فى الاتجاه المعاكس من المشروع الإسلامى. ذلك المشروع الذى أراد له الإمام البنا أن يتسم بكل الصفات التى تجعله قادراً على الوفاء بالاحتياجات المعاصرة وتلبية طموحات وتطلعات أبناء الأمة ومتمكناً من الوقوف فى وجه التحديات – وما أكثرها - . ويعتبر الإمام البنا – بحق – داعية عصره ورجل مصره .. يقول عنه الأستاذ سيد قطب – رحمه الله – [ لا يعرف حسن البنا من لم يعرف مصر قبل حسن البنا وبعده أنه عاش حياة قصيرة ولكنها شامخة مليئة بجلائل الأعمال لما كان يتمتع به من الشمائل التى حباه الله إياها وقلما تجتمع فى رجل واحد .. فهو القائد والجندى والمخطط والمنفذ والعالم وطالب العلم والمعرفة .. وهو الخطيب الأديب وهو المجاهد والشهيد عرف زمانه فاستقامت طريقته فكان ربانياً فى سائر أحواله ] . ويهمنا فى هذه المناسبة أن نذكر بعضًا من المواقف .. واللمحات الخاطفة نستخلصها من سيرته الثرية ومسيرته الميمونة مع الدعوة التى أضاء نورها فى عام 1928 وحتى لقى ربه شهيداً فى عام 1949 . 1] احتاج الإخوان إلى دار فسيحة بعدما ضاقت دار المركز العام للإخوان المسلمين بالحلمية الجديدة بالقاهرة .. ووقع اختيارهم على فيلا كبيرة تقابل مركزهم العام .. وبعده حيرة خاطفة فى تدبير المبلغ المطلوب وهو عشرة آلاف جنيه .. أمكن بفضل الله جمعه من جيوب الإخوان على مدى ثلاثة شهور .. كما أمكن تأثيثها بالمناسب من الأثاث .. ودائماً ما يلفت نظر الإعلام .. وكل من يرصد أمور الإخوان وتصرفاتهم وخاصة ما يتعلق بالأموال والإنفاق على متطلبات الدعوة سواء فى الماضى أو الحاضر.. ثم يكون الجواب الشافى الحقيقى .. أن كل ذلك من جيوب الإخوان – ففى الحديث لمجلة ( مسامرات الجيب ) مع فضيلة المرشد بحسب رواية المرحوم الأستاذ عباس السيسى فى كتابه ( حسن البنا .. مواقف فى الدعوة والتربية) سأل مندوب المجلة فضيلته فقال هل أنت غنى ؟ وكان جوابه – رحمه الله – نعم أنا غنى بهذه القلوب المؤمنة التى تحابت معى فى الله .. فقال مندوب المجلة .. أقصد الناحية المادية .. فقال فضيلته نعم غنى والحمد لله .. فكل أموال الإخوان التى فى جيوبهم ملك للدعوة . وشبيه بذلك .. ما أعلنه الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح .. عندما سؤل فى إحدى القنوات الفضائية .. عن مصدر تمويل حفلات الإفطار التى ينظمها الإخوان فى مواسم رمضان .. فكانت إجابته الواضحة والصريحة .. " أن الإخوان ينفقون على متطلبات أنشطتهم من جيوبهم ولا يدخل إليهم جنيه واحد من غير الإخوان ولا من الخارج . 2] ويوم توفى إلى رحمة الله والد أحد الإخوان الفضلاء فى إحدى محافظات جنوب الصعيد .. وكان على خلاف مع الإخوان منذ سنين .. أسرع فضيلة المرشد مسافراً من القاهرة إلى بلدته .. وحين وصل استقبل أحسن استقبال .. وحين جاء وقت صلاة العصر توجه جموع المعزين إلى المسجد وبعد أداء الصلاة – طلب المصلون من فضيلته أن يلقى عليهم موعظة فوقف المرشد وشكرهم وقال : لقد جئت معزياً ولم آت داعياً .. وكانت هذه الكلمات المخلصة الكبيرة المعنى هى أعظم دعوة . 3] وحين تقدم الإمام المؤسس إلى لجنة الامتحان الشفوى فى مدرسة دار العلوم وعندما جلس أمام اللجنة يسأله الممتحن – ماذا تحفظ من الشعر القديم ؟ فأجاب : أحفظ المعلقات السبع . قال : اسمعنى معلقة طرفة بن العبد . فأخذ البنا يقرأها فى فصاحة وثبات ، ولما تأكد الأستاذ الممتحن من جودة حفظه قال له : على رسلك .. أريدك أن تختار بيتاً أعجبك من هذه القصيدة .. فأطرق حسن البنا قليلاً .. ثم قال : إذا القوم قالوا من فتى خلت أننى .. عُنيتُ فلم أقعد ولم أتبلد فما كان من الأستاذ الممتحن وزميله فى لجنة الامتحان إلا ان أبديا إعجابهما .. وتوقعا أنه سيكون له شأن كبير .. ودور رائد فى إحياء الأمة . ولا شك أن الأستاذ البنا – رحمه الله – كان موهوباً وملهماً كما ذكر الأستاذ عمر التلمسانى رحمه الله .. ولكن ألا يدعونا ذلك إلى أن يحاول كل من ينتمى إلى هذه الدعوة صغيراً أو كبيراً .. أن يكون مهموماً بها منشغلاً بتحقيق أهدافها وأن تكون فى بؤرة شعوره وأن يعطيها أغلى ما عنده من فكر .. وصحة .. ومال .. ووقت .. وسعى وحركة ونشاط .. عند ذلك ستتحقق الآمال وتفتح الأبواب .. ويعم الخير كل الناس .. بل كل الأمة من أقصاها إلى أقضاها {.. وَيَومَئِذٍ يَفرَحُ المُؤمِنُونَ * بِنَصرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ } [الروم : 4-5 ] 4] ويحكى الأستاذ عباس السيسى فى كتابه السابق الإشارة إليه .. أنه كثيراً ما كان هذا الرجل القوى يبكى بدموع غزار .. فقد استلم ذات يوم بدار الشهاب برقية من والد أحد الشهداء فى فلسطين .. رداً على برقية من فضيلة الأستاذ له .. وكانت برقية والد الشهيد مؤثرة .. فيها تضحية وفدائية واستبسال .. بكى الأستاذ كثيراً وبكى معه الحاضرون .. وكانت لحظات من الحساسية المرهفة والشعور العميق الجياش .. . ولا تعليق لى على هذه اللقطة المؤثرة والإشارة الموحية .. إلا أن نتمثل هذه العاطفة فى تعاملنا بعضنا مع بعض .. وان نحيط إخواننا واحبابنا بشحنة غامرة من الحب و العطف والحنان .. نحزن لحزنهم .. ونفرح لفرحهم .. ولا يكون ذلك فى محيطنا الإخوانى فحسب .. بل نتوجه بالحب والعاطفة إلى الناس – كل الناس .. ونحقق المعنى الشامل لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم : "مثل المؤمنين فى توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" . 5] وكان دائماً يحافظ على جوهر الدعوة .. ويربط الإخوان بالمبدإ والمنهاج .. ويوحى دائماً بالتعلق بالدعوة فى شمولها واستيعابها لكل جوانب الحياة ويحذر من التعلق بالأشخاص – ولو كان شخصه هو .. فالإخوان لا يقدسون الأشخاص ..وإن كان لهم الاحترام الكامل والتقدير والتوقير .. إذ الحى لا تؤمن عليه الفتنة . ويدعونا ذلك إلى ذكر حدثين فى هذا الصدد : الأول : فى مؤتمر الطلاب للإخوان المسلمين بدار جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة 1938 حين وقف الإمام يخطب .. إذ تحمس أحد الأخوة من الطلاب فهتف بحياة حسن البنا – ومع أنه لم يردد الحاضرون هذا الهتاف – إلا أن فضيلته غضب .. فقال (أيها الإخوان إن اليوم الذى يُهتف فى دعوتنا فيه بأشخاص لن يكون ولن يأتى أبداً .. إن دعوتنا إسلامية قامت على عقيدة التوحيد فلن تحيد عنها . أيها الإخوان لا تنسوا فى غمرة الحماس الأصول التى آمنا بها – الرسول قدوتنا - ). الثانى: فى حفل بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج .. وحين جاء أحد المتكلمين فى الحفل وقد كان من المتحمسين لنشر دعوة الإخوان قام متحدثاً إلى الناس فقال : (إن مثلنا الآن من فضيلة الأستاذ المرشد وهو يشير إليه كمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ) وما كاد المتحدث ينتهى من هذه العبارة حتى قفز الإمام البنا إلى المنصة ثم اتجه إلى الناس قائلاً: (أيها الإخوة معذرة إذا كان الأستاذ المتحدث قد خانه التعبير . فأين نحن من تلامذة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نزل من مكانه ولم يستطع المتحدث إكمال الحديث كما بدأه) . لم يكن فى استطاعة "البنا" السكوت عن هذه التصرفات ذلك أنها كانت تمس الأصل الكبير الذى قامت عليه دعوته وجماعته فقام ليعتذر إلى الله فى التو واللحظة ويقطع مسلكاً من مسالك الانحراف فى طريق الدعوة وأساسها الربانى فهو الذى علم الإخوان ان لا يهتفوا باسم أحد إلا الله ولا يعظموا شخصاً ولا يحيوا إنساناً إنما تحيتهم لله سبحانه وتعالى .. تحيتهم هتاف لله وحده. وبعد فهذه بعض لقطات خاطفة من حياة الأستاذ البنا .. وهو يتحرك بدعوته بين إخوانه ومع الناس بصورة طبيعية غير مفتعلة .. تعبر عنها الأفعال والمواقف قبل الخطابة والبيان . رحم الله الأستاذ البنا .. وجميع مرشدينا وشهدائنا ورموزنا .. وألحقنا بهم فى الصالحين .
سيد
مصر
جزاكم الله خير الجزاء أستاذنا الفاضل الكريم وبارك فيكم وثبتنا الله تعالى وإياكم على طريق الحق والدعوة وتقبل منا ومنكم آمين